الرقيق القيرواني
43
تاريخ افريقية والمغرب
فانهزم القوم ، وقتل فيها أكبر فرسان البربر ، فذهب عزهم من الزّاب ، وذلوا آخر الدهر ، فكره أن يقيم عليها ، فرحل حتى نزل على المغرب بتيهرت ، فلما بلغ الروم خبره ، استعانوا بالبربر ، فأعانوهم ونصروهم ، فقام عقبة خطيبا على سيفه ، فقال : « يا معشر المسلمين ، إنّ خياركم وأشرافكم السابقون منكم [ الذين ] رضي الله عنهم ، بايعهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بيعة الرضوان على قتال من كفر بالله يوم القيامة فبيعوا أنفسكم من رب العالمين ، فإنكم داخلون في تلك البيعة لكم وعليكم ما عليهم ، وأنتم ما وطئتم هذه البلاد إلّا طلبا لرضاه وغضبا أن يعبد شئ سواه ، فأبشروا فكلّما كثر [ بشركم ] كان أخزى لهم وأعز لدينكم وربّكم ليس يسلمكم ، فألقوه بقلوب صادقة ، جعلكم الله أولى بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين . فالتحم القتال ، وصبر المسلمون ، ولم يكن للروم والبربر بقتالهم من طاقة ، فولّوا هاربين ، فقتلهم قتلا ذريعا ، وفر جميع الروم عن المدينة ، وقتلوا حيث أدركوا ، وغنم المسلمون . ثم رحل حتى دخل طنجة « 1 » ، فلقيه رجل من الروم يقال له « البيان » وكان شريفا في قومه ، فأهدى إليه هدية حسنة ، فلاطفه فنزل على حكمه ، فسأله عن بحر الأندلس ، فقال له : « إنه محفوظ لا يرام » « دلني على حال البربر والروم » فقال له : « قد تركت الروم خلفك ، وما قدّامك إلّا البربر وفرسانهم » قال له : « وأين موضعهم ؟ » قال : « في السّوس الأدنى ، وهم قوم ليس لهم دين ولم يدخلوا النصرّانية ، يأكلون الميتة ، ويشربون الدم من أنعامهم وهم أمثال البهائم ، يكفرون بالله عز وجل ولا يعرفونه » « 2 » فقال عقبة ابن نافع لجنوده : « ارحلوا على بركة الله » . فرحل من طنجة إلى السوس الأدنى وهو في مغرب مدينة طنجة التي تسمى
--> ( 1 ) بلد على ساحل المغرب مقابل الجزيرة الخضراء وهو البر الأعظم وبلاد البربر . قال ابن حوقل : طنجة مدينة أزلية آثارها ظاهرة بناؤها بالحجارة قائمة على البحر . ( 2 ) إضافة من العبر من ديوان المبتدأ - والخبر .